نصر حامد أبو زيد
84
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
حرص النبي وحرص الصحابة على حفظ نصوص القرآن ، فان نزول جبريل « مذكرا » لا يعني تكرّر النزول ، ولا يعني من ثم أن كل روايات أسباب النزول - أو المكي والمدني - صحيحة . وإذا كانت رواية ابن مسعود السابق الإشارة إليها تنص على حالة الوحي بآية « الروح » في المدينة وتدل من ثم على أنه كان شاهد عيان على نزول الآية ، الأمر الذي يرجع روايته على رواية ابن عباس في نظر السيوطي ، فان جدلية علاقة النص بالواقع كفيلة بالكشف عن حقيقة الآية بعيدا عن التلفيق بين الروايات . إن العودة إلى السياق الكبير - سياق النص في جدله مع الواقع - تؤكد مكية الآية . ولا يصح اعتراض معترض هنا استنادا إلى أن أهل مكة لم يكونوا في مستوى عقلي يسمح لهم بالسؤال عن « الروح » لأن ذلك اعتراض يفترض أن مجتمعي مكة والمدينة كانا مجتمعين منفصلين معزولين مغلق كل منهما على ذاته . إن أهل الكتاب من اليهود الذين تركزوا في يثرب ، أو من نصارى نجران ، لم يكونوا منفصلين بأي حال من الأحوال عن وثنيي مكة والطائف وغيرهما من بدو البادية . ولو كان الأمر على ما يفترض في مثل هذا الاعتراض لكان علينا أن نغضي عن حقائق التاريخ التي تخبرنا أن السيدة آمنة أم النبي كانت من بني النجار ، وأنها ماتت في طريق عودتها من يثرب في زيارة أهلها ، ناهيك عن وجود ورقة بن نوفل النصراني في مكة وذهاب السيدة خديجة بمحمد اليه بعد واقعة الوحي الأولى . . . إلى آخر كل هذه الحقائق . إن الفصل بين « الأميين » و « أهل الكتاب » فصل من جهة المعتقدات والتصورات الدينية الغالبة على كل فريق منهما ، وإلا فالأمر كما يقول ابن خلدون : إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم ، وانما غلبت عليهم البداوة والأمية ، وإذا تشوّفوا إلى معرفة شيء مما تتشوّف اليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليفة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ، ومن تبع دينهم من النصارى . وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية « 1 » . إن كلّا من أهل الكتاب والأميين ينتمي إلى الثقافة نفسها رغم اختلاف العقائد . وقد كان من الطبيعي أن يلجأ عبدة الأوثان إلى أهل الكتاب من جيرانهم في يثرب يستفتونهم في شأن هذا الذي يدّعي النبوة على زعمهم . إن السيرة النبوية هنا - على ما يقال من ضعف مروياتها - حريصة على الربط بين الأحداث والنص ، فبعد أن أعيت الحيل أهل مكة في
--> ( 1 ) المقدمة : ص 439 . وانظر أيضا : ص 233 .